حيدر حب الله

75

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أولًا : قد ذكروا في تحليل تعبير « كنتم » الوارد في هذه الآية وجوهاً عديدة ، أفاض في استعراضها والحديث عنها الشريف الرضي في كتابه « حقائق التأويل في متشابه التنزيل » « 1 » وغيره ، وسنقوم بتحليل هذه الوجوه للوصول إلى نتيجة ، وهي : الوجه الأوّل : أن يكون معنى « كنتم » هنا هو الحدوث والوجود ، أي وُجِدتم أو خُلِقتم خير أمّة « 2 » ، فتشبه الآية قوله تعالى : ( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) ( البقرة : 280 ) ، أي إن وجد ذو عسرة ، وهذه هي « كان التامة » في مصطلح النحويين . وهذا الوجه جيد ، وربما تكون جملة « خير أمة » حينئذٍ حالًا ، ولا يستبعد الفهم العرفي هذا المعنى ، بل يراه قريباً جداً . الوجه الثاني : أن يكون المقصود : « كنتم عند الله في اللوح المحفوظ خير أمّة » ، فيبقى عنصر الماضوية موجوداً ، وبهذا تحلّ الإشكالية هنا . وهذا الوجه محتمل ، لكنه لا شاهد عليه ؛ فهو مجرّد تقدير مفترض لا دليل عليه ، والأصل عدم التقدير ، لا سيما هذا اللون من التقدير الذي تُقحَم فيه قضية اعتقادية من هذا اللون . الوجه الثالث : أن يكون المقصود : كنتم على صفة خير أمة في الكتب المتقدمة « 3 » ، فحقّقوا هذه الصفة ليكون ذلك آكَدَ في الحجّة عليهم . وهذا الوجه حاله كسابقه ، يقوم على تقديرٍ لا إشارة له في الآية ولا في سياقها ، بل هو محض افتراض بلا دليل ولا مؤيّد . الوجه الرابع : إن المقصود « أنتم » لكن عبّر ب - « كنتم » ؛ لتقدم البشارة بذلك قبل

--> ( 1 ) حقائق التأويل : 216 - 224 ؛ والتبيان 2 : 557 - 558 ؛ والزمخشري ، الكشاف 1 : 454 . ( 2 ) العيني ، عمدة القاري 18 : 148 . ( 3 ) المصدر نفسه .